Home

 

هل ستفعلها "إسرائيل"؟

 
 

خليل حسين

في 5 يونيو/حزيران ،1982 أطلقت “إسرائيل” عملية سلامة الجليل ضد لبنان انتقاماً لما أسمته آنذاك، محاولة اغتيال سفيرها في لندن شلومو آرغوف، فغزت لبنان واحتلت بيروت ثاني عاصمة عربية بعد القدس . اليوم ثمة أصوات “إسرائيلية” ترتفع لاستعادة الأجواء نفسها، بعد تفجيرات الهند وتايلاند وجورجيا ضد سفاراتها، فهل سيكون رد الفعل “الإسرائيلي” مماثلاً لما جرى في العام ،1982 أم سيكون الأمر مختلفاً؟


 

في الوقائع أولاً، ربطت “إسرائيل” الهجمات بأعمال أخرى في أذربيجان متهمة حزب الله بتدبير العمليتين، هذه المرة ربطت الهجمات أيضاً بإيران، وأرفقت بردود أفعالها الأولية مواقف تحمِّل المسؤولية لكل من طهران وحزب الله متوعدة بالرد في المكان والزمان المناسبين .طبعاً ثمة سيناريوهات متعددة لتنفيذ إسرائيل تهديداتها،يأتي على رأسها تنفيذ ضربة نوعية لإيران،أو تنفيذ عملية غزو للبنان يكون حزب الله هدفها الأول . فأين المكان وأين الزمان في الأجندة “الإسرائيلية”؟


 

في المبدأ، لا تنتظر “إسرائيل” عادة أي مبرر لتنفيذ اعتداءاتها على أي كان، رغم إصرارها على الظهور في وضعية الحَمَل الوديع، ففي العام 1982 نفذت عدوانها على لبنان بذريعة آرغوف، وتبيّن بعد عقد من الزمن أن فصائل المقاومة الفلسطينية لم يكن لها يد في ذلك، بل أكثر من ذلك، ان الموساد “الإسرائيلي” هو من كان مدبر العملية لتنفيذ العدوان . وبصرف النظر عمن دبر ونفذ عمليات بانكوك وتبليسي، ثمة أجواء محلية وإقليمية ودولية مشابهة لما كان سائداً العام 1982 مع فروق بسيطة في الأدوات والوسائل .


 

استعرت الحرب الباردة بين موسكو السوفييتية وواشنطن العام 1982 على منطقة الشرق الأوسط، غزت “إسرائيل” لبنان وأنزلت فيه قوات متعددة الجنسيات قوامها الأساسي أمريكي - فرنسي، ما لبثت أن أخرجت بعمليتين كبريين ضد المارينز وقوات المظليين الفرنسيين حصدت المئات من القتلى، اتهمت إيران وحزب الله بالعمليتين .


 

اليوم ثمة تنافس روسي -أمريكي في المنطقة عبر البوابة السورية وأزمتها، في وقت يشتد الضغط على مثلث طهران - دمشق - بيروت، في الوقت الذي تتجمع به عناصر التفجير، كل له حسابات ووسائل وأدوات فيها .


 

في المقلب “الإسرائيلي”، ثمة رعب متواصل من البرنامج النووي الذي تعدّه تهديداً كيانياً لها، الأمر الذي يستوجب في الاستراتيجية “الإسرائيلية” أي عمل استباقي بصرف النظر عن مبرر العمليتين، يساعدها على ذلك انشغال العالم بأزمات الأنظمة العربية والحراك القائم فيها، علاوة على تعثر المسارات الدبلوماسية للبرنامج النووي الإيراني . فهل تشن “إسرائيل” عمليتها وسط انشغال دمشق بأزمتها، وتهيؤ كل من موسكو وباريس وواشنطن للانغماس في انتخاباتها الرئاسية المقبلة؟ وهل ستعيد أجواء ضرب مفاعل تموز العراقي في طهران بمعزل عن التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم ستختار السقف الأدنى بمحاولة ضرب حزب الله في لبنان عبر استنساخ تجربة 2006؟ في كلتا الحالتين ثمة حسابات من الصعب تحديد أولوياتها لارتباط الخيارين ببعضهما بعضاً في حال البدء في أي منهما .


 

في المقلب الإيراني، تعلّمت طهران من تجاربها السابقة في حربها مع العراق، كما الكيفية التي ينبغي التعامل بها مع أي أزمة تمسُّ استراتيجياتها الإقليمية كنموذج احتلال أفغانستان 2001 والعراق 2003 والعدوان على لبنان 2006 وغزة ،2008 في جميع تلك الحالات حققت مكاسب وازنة من دون دفع أثمان كبيرة .


 

في المقلب الإقليمي والدولي الآخر، ثمة انسداد في الأفق السياسي لمجمل أزمات المنطقة، ما يعزز احتمالات اللجوء إلى الخيارات العسكرية لحسم بعض القضايا التي يصعب حلها من دون كسر موازين القوى القائمة حالياً .


 

وعلى الرغم من بروز هذه الخيارات أكثر من أي وقت آخر، فثمة رعب وخوف متبادل، باعتبار أن اشتعال فتيل أي حرب ولو كانت إقليمية صغيرة، من الممكن أن تتحول إلى إقليمية كبيرة أو دولية .


 

إن الظروف والوقائع التي تتجمع في المنطقة، تنذر بظهور سلوك سياسي جديد، يعيد أجواء التنافس الدولي بداية ثمانينات القرن الماضي الذي أسس لنظام عالمي جديد بداية التسعينات، فهل التاريخ يعيد نفسه بأدوات ووسائل أخرى؟ الصورة تكاد تكون متطابقة إلى حد بعيد، مع اختلاف في الأحجام والأوزان وحتى التداعيات المحتملة . فهل ستتحمل المنطقة حرباً إقليمية عظمى تقول بعض التقارير الاستخبارية سيصل عدد ضحاياها إلى أكثر من مليون ونصف المليون ضحية؟ أم أنّ لغة العقل والتعقل ستأخذ مكانها؟ عندما يتعلق الأمر بمسائل تغيير موازين القوى وإعادة ترتيبات جديدة، لن تتورع أية قوة من فعل أي شيء للحفاظ على مكانتها ودورها وما امتلكت من وسائل قوة، وهذا ما ينطبق بالتحديد على كل من “إسرائيل” وإيران .


 

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

 


 

This site was last updated 02/18/12