سيساهم إنشاء ملاجئ آمنة بدعم أجنبي أو عربي على طول الحدود في تغيير مواقف عدد إضافي من الجنود أو المسؤولين المدنيين ودفعهم إلى الانضمام إلى المتظاهرين والمعارضين، ما سيسرّع سقوط النظام السوري.

نتيجة استمرار تدهور الوضع السياسي داخل سورية في الأسبوع الماضي، أشار أمير قطر إلى أن إرسال قوات عربية لوقف عمليات القتل قد يكون خياراً مناسباً، لكن لم يتضح بعد مدى جدية اقتراحه. ربما طرح هذا الحل كونه اقتراحاً عملياً أو لمجرد توجيه رسالة سياسية مفادها أن العالم العربي قد لا يقف مكتوف اليدين إلى الأبد بينما يُقتل عشرات السوريين يومياً.
في نهاية الأسبوع الماضي، اجتمعت جامعة الدول العربية في القاهرة لتقييم عمل بعثة المراقبين بعد مرور شهر على انطلاقها، علماً أن وجودها في سورية لم يساهم في إبطاء عمليات القتل. لن يؤدي قرار جامعة الدول العربية بمتابعة الاستراتيجية نفسها وتعزيز عدد المراقبين إلى إحداث أي فرق في الوقت الراهن، فالمسألة الأساسية اليوم تتعلق باتخاذ قرار بإرسال قوات خارجية أو فرض تدابير أخرى لوقف عمليات القتل في سورية.
لكن الأصح هو طرح سؤال مختلف في هذا المجال: هل سيكون تدخل القوات الخارجية في سورية خياراً واقعياً ومستحباً؟ دعا المجلس الوطني السوري الذي يضم ائتلافاً من جماعات المعارضة، الحكومات العربية والأجنبية إلى التفكير بإنشاء “مناطق آمنة” على طول حدود سورية الشمالية والجنوبية، حيث لا تستطيع قوات النظام مهاجمة المواطنين، لكن هذا الحل لن يكون قابلاً للتنفيذ من دون المشاركة المباشرة للقوات الأجنبية، وتحديداً من الجو لفرض منطقة حظر جوي في المقام الأول. في الوقت الراهن، ما من إجماع بين الدول العربية على هذه الخطوة، ويبدو أن هذا الإجماع هو شرط مسبق وأساسي للتفكير جدياً بأي تحرك مماثل.
تتحدث شخصيات المعارضة السورية عن التجارب في كوسوفو والبوسنة في العقود الأخيرة، عندما وفرت القوات الخارجية الحماية للمدنيين المحليين، على اعتبار أنها حالات سابقة يمكن تكرارها في سورية.
سيساهم إنشاء ملاجئ آمنة بدعم أجنبي أو عربي على طول الحدود في تغيير مواقف عدد إضافي من الجنود أو المسؤولين المدنيين ودفعهم إلى الانضمام إلى المتظاهرين والمعارضين، ما سيسرّع سقوط النظام. يمكن أن تترافق هذه التدابير مع سلسلة من المبادرات السياسية والدبلوماسية التي قد تتخذها الحكومات العربية والخارجية، بما في ذلك عقد اجتماعات دورية مع المجلس الوطني السوري وأخيراً الاعتراف به كممثل رسمي عن الشعب السوري (وكأنه “حكومة في المنفى”).
تحتل الخيارات المختلفة التي يمكن أن تعرضها الحكومات الأخرى للتواصل مع المعارضة السورية أهمية كبرى بالنسبة إلى السوريين الذين يحاولون إسقاط نظامهم، لأن هذه المبادرات ستُعتبر الطريقة الأكثر فاعلية في ظل الظروف الراهنة لإقناع الرئيس بشار الأسد بالتنحي والعمل على إرساء نظام حكم تعددي وديمقراطي جديد في البلاد.
تشهد سورية راهناً وضعاً من المراوحة التي تشبه تلك السائدة في اليمن، إذ يعبّر الثوار والمتظاهرون عن معارضتهم الشديدة للنظام، لكن يستطيع هذا النظام من جهته حشد موارد مهمة (أبرزها الأموال والجنود) لمتابعة حملات القتل وتنفيذ العمليات الانتقامية أو ترهيب المتظاهرين بما يضمن صمود نظام الأسد. في المقام الأول، يسعى الكثيرون في المعارضة السورية إلى خرق وضع المراوحة لأنهم يدركون أن المستوى الراهن من التظاهرات والانشقاقات المحدودة في صفوف القوات المسلحة أو الخدمة المدنية لن يكون كافياً لإسقاط النظام.
تتعدد الاعتبارات التي يجب أن يفكر بها كل من ينوي إرسال قوات خارجية لوقف عمليات القتل في سورية، فقد تطالب الدول الأخرى التي تشهد اضطرابات وحملات قتل مماثلة بالتدخل الأجنبي المسلح أيضاً لحماية المدنيين.
جاءت دعوة أمير قطر إلى إرسال قوات عربية إلى سورية للتأكيد على أن هذه الفكرة التي كانت مستبعدة سابقاً قد تصبح واقعية في مرحلة معينة، فالمسائل التقنية المتعلقة بكيفية التدخل لمساعدة المدنيين السوريين وجماعات المعارضة هي الأقل تعقيداً، أما العائق الأصعب اليوم فيتمثل بالأبعاد السياسية ومعرفة مدى صحة التفكير بأي تحرك مماثل.
يؤكد الاستنتاج الذي استخلصتُه من هذه المعطيات كلها ما كنت أفكر به وأقوله منذ أن بدأت التظاهرات الأولى بتهديد النظامين التونسي والمصري في ديسمبر 2010 ويناير 2011: تواجه سورية عدداً من المشاكل والظروف الكثيرة التي كانت سائدة في تونس ومصر (الفقر وغياب الديمقراطية والفساد وانتشار مشاعر الإهانة والغضب بين المواطنين)، وبالتالي قد يكون مصير سورية مشابهاً.
قدّم النموذج الليبي أمثلة عدة عن تطبيق مرحلة تدريجية شهدت تنظيم فئات المعارضة وعملية التدخل الدولي، فنسمع يومياً أن سورية لا تشبه ليبيا بأي شكل، لكن يمكن القول الآن إن سورية تزداد شبهاً بليبيا، وتحديداً في ما يخص مسار تحركات المعارضة وردود فعل النظام التي أدت إلى التداول الآن بخيار التدخل العسكري واتخاذ تدابير جذرية لإنقاذ حياة المدنيين.

*صحافي في “ديلي ستار” (Daily Star) الصادرة في بيروت، وهو مدير معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت.