لحسن الحظ، استعملت الصين وروسيا بزعامة صديقي بوتين حق النقض في مجلس الأمن، ويقف صديقي أحمدي نجاد إلى جانبي أيضاً، يتصل بي دائماً ويشجعني على عدم الاستسلام، فالعدالة موجودة رغم كل شيء! الثوار مجموعة من الإرهابيين والعملاء المأجورين الذين يتلقون الأموال من أوروبا ومن بعض البلدان العربية التي تريد تصفية حساباتها معي.

نجحتُ في اختراق عقل الرئيس السوري خلسةً، إنه أشبه بقلعة منيعة، فقبل الغوص فيه، لا بد من قطع سبعة حواجز بسبب التدابير الأمنية المشددة وبدافع الخوف والتردد، ومن الملاحظ أن بشار يُبقي نفسه على مسافة من واقع ما يحصل، تماماً مثل والده حافظ.
يُقال إن حافظ الأسد قتل يوماً سبعة جنود كان يُفترض أن يطبقوا تدابير تفتيش صارمة قبل أن يسمحوا بمرور مَن سيقابلهم الرئيس، إذ كان حافظ الأسد يحب لعب الشطرنج مع أحد أصدقاء الطفولة وفي فترة بعد الظهر من كل يوم. كان ذلك الصديق يحضر ويخضع للتفتيش سبع مرات قبل أن يصل إلى قاعة اللعب، وفي أحد الأيام، قرر الجنود السماح بمروره من دون تطبيق تدابير التفتيش المعتادة على اعتبار أنه أصبح وجهاً مألوفاً بالنسبة إليهم.
عندما علم حافظ الأسد بما حصل، أصدر أمراً بإعدام الحراس البائسين الذين أخلّوا بواجباتهم. يعرف بشار الابن هذه القصة وغيرها من القصص المشابهة والدموية، ومن المعروف أن بشار هو أيضاً شخص يصعب الوصول إليه، وهذا مبرّر: فمن يقتل، يجازف بالتعرض للقتل هو بدوره، لذلك، لا مفر من أخذ الاحتياطات اللازمة وأكثر بعد.
رأس بشار الأسد ليس كبيراً جداً، لكنه يعجّ بالأدوات الحادة! لا أعرف السبب، ولكن يبدو دماغه هادئاً رغم كل شيء، فما من أثر للضغط النفسي أو العصبية، ولا أعرف كيف يستطيع الحفاظ على هذا السكون؟ هل الأمر وراثي أم أنه أخذ دروساً مسائية لتعلم كيفية القتل من دون الشعور بالانزعاج ومن دون أن ينتابه القلق بسبب المآسي التي يسببها؟ حاولتُ الغوص في أفكاره والإصغاء بتمعّن إلى ما يجول في خاطره لأن الابن يفكر كثيراً ولا يتردد في طرح أفكار جريئة:
لقد تعلمتُ كل شيء من والدي الراحل، وهو كان رجل دولة عظيماً وشخصاً حساساً ومثقفاً وقائداً بارعاً. أتذكر أن هنري كيسنجر كان يقدّره كثيراً، أخبرني والدي أنه كان يحب وزير الخارجية الأميركي هو بدوره وكان معجباً بذكائه وواقعيته السياسية. كان الرجلان على وفاق تام، وكان والدي يذكرني بأن ذلك المسؤول تخلص من سلفادور أليندي واستبدله ببينوشيه.
في الآونة الأخيرة، أنا أتواصل مع والدي، فهو عبقري بالفعل، وهو مَن يخبرني بما يجب أن أفعله ويشجعني ويدلّني على المسار الذي يجب أن أتبعه. لقد أخبرني أخيراً بضرورة العودة إلى لبنان إذا تدهورت الأوضاع، لأنني ووالدي لم نتقبل بعد الطريقة التي طُرد بها جيشنا من ذلك البلد في عام 2005، حتى مقتل الحريري وبعض الشخصيات الجاحدة الأخرى لم يكن كافياً لمحو العار الذي سببه لنا هؤلاء اللبنانيون.
في الوقت الراهن، لا يزال الوضع جيداً، أنا صامد حتى الآن، ولا داعي للذعر، وقبل كل شيء، أنا لستُ صدام حسين ولا القذافي، ولن أتعرض للإهانة على يد عملاء أميركيين يبحثون عن القمل في رأسي، ولن أُعدَم على يد المتعصبين. لقد انتهت حياة هذين القائدين لأن مستوى ذكائهما لم يكن عالياً، أما أنا، فأنتمي إلى عائلة الأسد، وهي عائلة وعشيرة موحدة ومتضامنة في ما بينها.
إنها عائلة كبيرة وقوية ونافذة ولها تقاليد معينة، فأنا لا أقوم بأي أمور عشوائية، بل أقاوم المؤامرات الدولية، ولدي إثباتات كثيرة، فلا أحد يريد أن يتحول بلدي إلى جمهورية إسلامية يقودها أشخاص أميّون أو إلى معقل للتيار اليساري الغبي الذي يمكن التباهي به في الأروقة الأوروبية.
علّمني والدي أن القائد يجب أن يتمتع بقلب برونزي في عالم السياسة؛ لذا عوّدتُ قلبي على عدم الانكسار، فالمشاعر معدومة والضعف ممنوع، أنفذ ما أريده وأتحكم بحياة جميع أفراد عائلتي. الهمجيون الذين حولوا سورية إلى كتلة من النار والدم ينالون ما يستحقونه، يتكلمون عن «الربيع العربي»! ما هذه البدعة؟ أين هو ذلك الربيع؟ حتى لو احتل بعض المشاغبين الذين يجهلون ما يفعلونه الساحات العامة، لا يعني ذلك أن الفصول غيّرت إيقاعها ومعناها، في بلدي، لن يحلّ ذلك «الربيع» الذي يتحدثون عنه.
لقد أصدرتُ أمراً بتعليق هذا الفصل حتى تحقيق النصر، لماذا يجب أن يكون فصل الربيع مرادفاً لاختفائي؟ أنا لن أموت، بل سأقتل الجميع قبل حصول ذلك، فوفق التعاليم الإسلامية، إذا استلزم الأمر أن نضحي بثلثَي الشعب من أجل الحفاظ على ثلث صالح، فلا يجب التردد في ذلك، وأنا أطبق هذا القانون القديم الذي يسود منذ بدء تاريخ العرب.
يجب أن أذكّر الجميع بأن سورية بلد علماني، تماماً مثل فرنسا التي خانتني فجأةً وبدأت تُسمعني المواعظ الأخلاقية، ولا ننسى أوباما المسكين الذي يدين ما أفعله ويتحدث عن ارتكاب أعمال وحشية! كيف يجرؤ على قول ذلك؟ ألم يشاهد ما فعله جيشه في العراق وأفغانستان؟
بماذا يتهمونني؟ بإصدار الأوامر إلى الجيش لإطلاق النار على المتظاهرين؟ إذا لم أفعل ذلك، فسأفقد مكانتي واحترامي بين الناس. انظروا إلى صديقي مبارك الذي طُرد من قصره بين ليلة وضحاها. كان يفتقر إلى التصميم وقوة الإرادة وقد خانه الجيش، يا له من مسكين! ويا لها من إهانة أن يسوقوه وهو مريض وكئيب على نقّالة لمحاكمته! الشعوب جاحدة حقاً، فهي تنسى سريعاً ما بذله الرؤساء من أجلها. يتألف جيشي من أشخاص أوفياء في معظمهم، وقد دفع كل من انشقّ عن الجيش الثمن غالياً، ولا أشعر بالندم، فأنا أدافع عن نفسي، بل إن ما أفعله هو عمل دفاعي مشروع.
لقد حرصتُ على إبعاد زوجتي أسماء وأولادي الثلاثة حافظ وزين وكريم عما يحصل، إنه أمر طبيعي، فأنا أتصرف كأي زوج وأب صالح، وفي المقابل، أشاهد كيف يصر بعض الآباء المتهورين على تشجيع أولادهم على التظاهر مع أنهم يعلمون أنهم قد يقعون ضحية الرصاص الطائش. أخبروني بأن الأطفال يُقتلون، لا أصدق ذلك وأحمّل أهلهم مسؤولية هذه المأساة لأن أسوأ ما في الحياة هو فقدان أحد الأبناء. أتذكر الألم الذي انتاب والدي يوم وفاة شقيقي الأكبر باسل في حادث سيارة، لقد بكى حينذاك، نعم، رأيت والدي يبكي بسبب ظلم القدر الذي سلبه ابنه العزيز.
والدي، ذلك الرجل الاستثنائي الذي حوّل سورية إلى بلد عظيم وصعّب حياة الإسرائيليين في الجوار، هو ذلك الرئيس نفسه الذي بكى لأنه لم يتمكن من الانتقام لابنه، توفي باسل بسبب حادث سيارة، فما كان أبي ليفجّر، مثلاً، الطريق الذي أودى بحياة ابنه الذي كان يستعد لاستلام الحكم بعد والده. هو لم يتحمل أي مقاومة في وجهه، ولا أنا أتحملها، ولن أتحمل مطلقاً مواجهة الانتقادات أو أي شكل من التمرد.
حاولت الأمم المتحدة تشويه صورتي وطالبتني بالتنحي، إنه تدخل فاضح في شؤون سورية الداخلية، فمن الأفضل أن تدعني منظمة المهرّجين هذه وشأني. يريدونني أن أرحل؟ إلى أين؟ هل يظنون أنني أشبه بن علي؟ يستحيل أن أركب طائرة وأتوسل دول العالم كي تمنحني اللجوء السياسي!
لحسن الحظ، استعملت الصين وروسيا بزعامة صديقي بوتين حق النقض في مجلس الأمن، ويقف صديقي أحمدي نجاد إلى جانبي أيضاً، يتصل بي دائماً ويشجعني على عدم الاستسلام، فالعدالة موجودة رغم كل شيء! الثوار مجموعة من الإرهابيين والعملاء المأجورين الذين يتلقون الأموال من أوروبا ومن بعض البلدان العربية التي تريد تصفية حساباتها معي، ويكفي أن نتابع نشرات قناة «الجزيرة» للتأكد من وجود مؤامرة ضدي.
يتحدثون عن أعمال التعذيب! من الطبيعي أن نعذب الناس لتجنب ارتكاب المجازر وسقوط الأبرياء ضحية رصاص السوريين السيئين. أسيطر على البلد وأتصدى لكل من يريد إنشاء نظام آخر، ويجب أن يشكروني ويساعدوني لحماية سورية من الخطر الإسلامي.
أعرف أن الإسلاميين سيحاربون طائفة العلويين التي أنتمي إليها وجميع الأقليات المسيحية والأرمنية. يجب أن يهب الفاتيكان لنجدتي بدل إدانتي، ولحسن الحظ، تقتصر تلك الإدانة على الكلمات، لكن يطبق الأوروبيون راهناً تدابير أخرى عبر تجميد أرصدتي لديهم ومحاولة تضييق الخناق على الشعب من خلال منع التبادلات التجارية. إنها مقاربة وضيعة وغير نزيهة، فهم يكرهونني لأن سورية لطالما وقفت في وجه العدو الصهيوني ولم ترضخ يوماً أمام إسرائيل.
غداة مجزرة حماة، كنت أبلغ 17 عاماً فقال لي والدي: هل ترى يا ابني؟ لو لم أتحرك بهذه الصرامة البارحة مساءً، لما كنا هنا الآن. كان محقاً في قوله. كذلك، إذا لم أقصف حمص اليوم، أعرف أين سأبيت ليلتي هذا المساء: في المشرحة! يجب التوقف عن قول التفاهات. سقط 20 ألف قتيل في حماة (ولم يتحرك أحد في تلك الفترة). أما اليوم، فلم يكد 8 آلاف يسقطون بين درعا وحمص ودمشق وحماة، فما سبب هذه الضجة كلها؟!
هل تعرفون السبب الذي دفع زوجتي العزيزة أسماء إلى الزواج بي؟ قبلت بي بسبب القيم التي أتمتع بها، وقد أعلنت ذلك في مجلة «باري ماتش» (Paris Match ) الفرنسية بتاريخ 10 ديسمبر 2010. تنعكس تلك القيم على وجهي، أنا فخور بها! وهل تعرفون السبب الذي دفعني إلى دراسة طب العيون؟ اخترتُ هذا المجال لأنني لا أتحمل رؤية الدم!
وبينما كنتُ أهمّ بمغادرة ذلك العقل، كدتُ أتعثّر بأسلاك كهربائية، إذ كان بشار يقف في مركز التعذيب، ولتمرير الوقت، تولى هو بنفسه الدوس على الجهاز الذي يبث الشحنات الكهربائية في الأعضاء التناسلية للمعذَّبين. يبدو أن هذا الأمر يمنحه شعوراً بالمتعة ويعزز تصميمه على تجريد سورية من ثلثَي شعبها الذي يعتبره بشار سيئاً!
* كاتب وأديب مغربي – «اللوموند»