يقول المعارضون السوريون إن الثورة مستمرة، فمن جهة، نجد بشار الأسد المدعوم من حكام إيران و«حزب الله» وروسيا بزعامة فلاديمير بوتين، ومن جهة أخرى، نجد المواطنين السوريين العاديين الذين يواجهون القصف والرصاص بشجاعة هائلة كتلك التي ميّزت المتظاهرين في ساحة تيانانمن، ومع ذلك، تتردد الأطراف التي يجب أن تكون حليفتهم في اتخاذ المواقف الصائبة.

بفضل عجائب التكنولوجيا المعاصرة، تمكن أعضاء من حركة المقاومة داخل سورية، في الأسبوع الماضي، من إقامة محادثة آمنة مع جماعة صغيرة من الخبراء في السياسة الخارجية في العاصمة واشنطن.
باختصار، قال هؤلاء المعارضون إن الثورة مستمرة، فمن جهة، نجد بشار الأسد المدعوم من حكام إيران و»حزب الله» وروسيا بزعامة فلاديمير بوتين، ومن جهة أخرى، نجد المواطنين السوريين العاديين الذين يواجهون القصف والرصاص بشجاعة هائلة كتلك التي ميّزت المتظاهرين في ساحة تيانانمن، ومع ذلك، تتردد الأطراف التي يجب أن تكون حليفتهم في اتخاذ المواقف الصائبة.
عبر موقع سكايب، تواصل «محمد» (أحد قادة حركة المقاومة) مع مكاتب «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» من موقع سري خارج دمشق وسأل: «لماذا لا تُعتبر دمشق مهمة بقدر مصر وليبيا؟». تُرجمت تعليقاته بفضل مسؤول في المؤسسة اسمه عمار عبدالحميد، وهو معارض سوري بارز أُجبر على العيش في المنفى في عام 2005، وأضاف محمد: «نحن نواجه آلة قتل». عملياً، تشير التقديرات إلى أن نظام الأسد قتل أكثر من 7 آلاف سوري حتى الآن بين رجال ونساء وأطفال.
وتابع قائلاً: «نحن لا نطالب بأي قوات ميدانية»، فما الذي يريدونه إذن؟ هم يريدون الإمدادات والمعدات وتكنولوجيا اتصالات آمنة وجميع الوسائل اللازمة للدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم ومنازلهم وجماعاتهم.
حتى الآن، أدت الانتفاضات الأخيرة في الشرق الأوسط (المعروفة باسم «الربيع العربي») إلى إحداث تغيير في البلدان حيث كان الحكام يتعاونون مع الولايات المتحدة: تونس، مصر، ليبيا، اليمن. في المقابل، قُمعت الانتفاضة التي انطلقت في عام 2009 ضد النظام الديني الإيراني المعادي للولايات المتحدة، ولم يحرك القادة الغربيون حينها أي ساكن ولم يتفوهوا بكلمة، فإذا نجح الأسد في البقاء في السلطة، يجب أن نفهم أن عداوة الولايات المتحدة أصبحت أقل خطورة من صداقتها.
يفسر هذا الاستنتاج الكثير عن الدعم الروسي الكبير للأسد، ويوجّه بوتين هذه الرسالة إلى الحكام الاستبداديين في كل مكان: يمكن الاعتماد على موسكو، وليس الولايات المتحدة، عند تدهور الأوضاع.
بدا أن قادة المقاومة الذين تحدثوا عبر الإنترنت كانوا مصممين على متابعة النضال: هم لن يستسلموا حتى لو كلّفهم الأمر حياتهم! ولكنهم يشعرون بالإحباط في الوقت نفسه، فهم يواجهون المروحيات والمدرعات والمدفعية ولا يملكون إلا أسلحة خفيفة لا تكفي لجميع من يريدون القتال.
اعتبر الناشط محمد أن الجدل الدبلوماسي القائم حول سورية في الأمم المتحدة هو مجرد «مهزلة»، فقال قائد آخر في حركة المقاومة (لقبه أبو النور) إن جامعة الدول العربية أثبتت أنها غير فاعلة ولا يمكن الوثوق بها، وبالنسبة إلى تركيا، اعتبر محمد أنها تكتفي بالكلمات والشعارات على ما يبدو.
بحسب رأي محمد، لاتزال الولايات المتحدة تُعتبر آخر وأفضل أمل بالنسبة إلى حركة المقاومة لأن الأميركيين وحدهم يستطيعون حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم: «وحدهم يستطيعون القيام بذلك. لذا نتمنى أن يراجعوا مواقفهم».
لكن ربما يغفل هؤلاء الثوريون المحاصَرون عن حجم الخيبة التي أصابت معظم الأميركيين، ففي التاريخ الحديث، استُعملت القوة الأميركية للدفاع عن سكان الكويت والبوسنة وكوسوفو وطبعاً العراق وأفغانستان. لم يتوقع الأميركيون تعاطفاً كبيراً مقابل خدماتهم، ولكنهم كانوا ينتظرون على الأقل مشاعر أفضل من العدائية الموجهة ضدهم من جانب أطراف كثيرة في العالم الإسلامي.
يشكك بعض الأميركيين الآن بالمسلمين الذين يدّعون الديمقراطية، بينما يظن البعض الآخر أن المسلمين الذين يناضلون في سبيل الحرية موجودون ولكنهم يشكلون أقلية صغيرة. ترسخت هذه القناعات بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها مصر حيث فاز «الإخوان المسلمون» والسلفيون بأغلبية ساحقة من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، وهم جعلوا من الأميركيين رهائن لهم الآن مع أنهم قَدِموا إلى مصر للمساعدة في عملية الإصلاح الديمقراطي.
لكن تُغفل هذه التحليلات كلها عن النقطة الأساسية: على الأميركيين أن يدعموا الثوار في سورية خدمةً لمصالحهم الاستراتيجية الخاصة ومصالح الغير في آن.
الأسد هو عدو الولايات المتحدة، فقد سهّل مقتل مئات الأميركيين في العراق وخطط لاغتيال القادة اللبنانيين الموالين للغرب لأنهم تجرؤوا على تحدي الهيمنة السورية.
كذلك، يُعتبر الأسد دمية في يد إيران التي تطرح أكبر تهديد أمني على الولايات المتحدة اليوم، ومن المعروف أن إيران هي دولة غنية بالنفط وقد تكتسب قريباً أسلحة نووية، وينوي القادة الإيرانيون قيادة ما يعتبرونه مداً إسلامياً عالمياً وحركة جهادية ناشطة ضد الغرب ولا يعترفون بمفهوم الربيع العربي. لكن بما أن الإيرانيين هم من أصول فارسية وشيعية، فهم يحتاجون إلى جسر تواصل مع العالم العربي والسني. كان الأسد يؤدي دور صلة الوصل. كذلك، شكلت سورية الأرض التي تصل بين إيران و»حزب الله» الذي يسيطر الآن على لبنان بفضل أموال وأسلحة الإيرانيين.
سيكون سقوط الأسد هزيمة استراتيجية كبرى بالنسبة إلى طهران، كما أنه سيشعل نيران الثورة المقموعة داخل إيران حيث يشهد الاقتصاد تدهوراً هائلاً بسبب زيادة العقوبات الصارمة.
يدرك حكام إيران هذا الوضع؛ لهذا السبب، يُقال إن قائد نخبة قوة القدس الإيرانية، قاسم سليماني، موجود في سورية مع مئات أو حتى آلاف الإيرانيين الذين يتولون تدريب قوات الأسد ومنحها التوصيات اللازمة حول كيفية قتل المتظاهرين وقمع «الجيش السوري الحر» بفاعلية أكبر. يعتبر قادة المقاومة السورية أن قوة القدس تساعد في جميع المجالات، بدءاً من مراقبة الرسائل النصية التي يتبادلها المحتجون وصولاً إلى تدريب القناصة.
أوضح محمد: «نحن نتواصل مع أشخاص داخل النظام وهم ينقلون لنا معلومات عن تورط إيران و»حزب الله». ثمة معسكر تدريب حقيقي يديره «حزب الله» بالقرب من دمشق. الأشخاص الذين يحافظون على الأمن داخل دمشق هم في معظمهم عناصر من حزب الله».
وأكد أبو النور أن قوات الأسد تحتاج إلى هذه المساعدة الخارجية لأنها محبطة: «هي لا تستطيع السيطرة على الأراضي، ويصر الجنود على القتال حصراً لأنهم يخشون التعرض للقتل مثل المنشقين إذا لم ينفذوا الأوامر».
وأضاف عمار عبدالحميد: «نحن نتكلم عن أشخاص يتولون مناصب مهمة. عندما يتخذون القرار بالانشقاق عن النظام، يجب أن يتأكدوا من وجهتهم ومن وجود حماية لهم ولعائلاتهم، وفي الوقت نفسه يريدون التأكد من أن المجتمع الدولي اتخذ قراره النهائي بشأن نظام الأسد».
لتوفير هذه العوامل، لا بد على الأقل من إنشاء مناطق آمنة أو مواقع تخضع لحماية حلف الأطلسي كما حصل في ليبيا. يذكر مارك غينسبرغ، ديمقراطي عمل سفيرا للولايات المتحدة في المغرب في عهد الرئيس كلينتون، أن الرئيس أوباما استدعى كبار المسؤولين لمناقشة جميع السبل الممكنة لكبح قوات القذافي عندما كانت مدينة بنغازي مهددة.
لكن يضيف غينسبرغ: «مع تصاعد وتيرة قتل المدنيين الأبرياء بشكل يومي في أنحاء سورية وصدور مشاهد مريعة من حمص والمدن السورية الأخرى بما يفوق كل ما شهدته ليبيا، لم يُظهر الرئيس أوباما حتى الآن أي صرامة كتلك التي عُرف بها في الشأن الليبي».
بعد يوم على المحادثة عبر موقع سكايب، قُتل 137 مدنياً على الأقل (منهم 11 طفلاً) على يد قوات النظام. تحدث هادي العبدالله المنتمي إلى الهيئة العامة للثورة السورية، مقره حمص، مع مراسل من قناة «العربية» وقال إن الصواريخ تُطلَق من كلية حربية مجاورة وإن المروحيات «تستهدف جميع من يحاولون مساعدة الجرحى». فسأل: «ألا يُعتبر هذا الأمر مجزرة بمعنى الكلمة؟».
إنها مجزرة بالفعل! لكن يبدو أن الكيان المسمّى «المجتمع الدولي» يختار المجازر التي تستلزم التحرك وتلك التي يجب تجاهلها. الأصدقاء في سورية محقون: إذا لم يضطلع الأميركيون بدور القيادة (عبر حماية المدنيين تزامناً مع خدمة المصالح الأمنية الغربية)، فلا أحد يستطيع ذلك.