موسم البكاء على اليونيفيل
رفيق خوري
15/01/2026
لبنان كان ولا يزال المثال العملي الثابت لتطبيق القول إن الموقت هو الدائم. وما يبدأ بالمادة 95 من الدستور لا ينتهي بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. فعلى مدى عقود رافق لبنان نوع من الوجود الدولي على خطوط الهدنة مع إسرائيل والتي هي الحدود الدولية المرسومة أيام الانتداب الفرنسي. من مراقبي اتفاق الهدنة عام 1949 إلى قوات الطوارئ الدولية عام 1978، وصولًا إلى قوات "اليونيفيل" المعززة عام 2006. ولكن مجلس الأمن فاجأ اللبنانيين مؤخرًا بقرار يؤكد أن الموقت ليس دائمًا، إذ قرر إنهاء مهمة "اليونيفيل" بحلول نهاية العام 2026.
وليس من السهل على لبنان أن يشفى من إدمان القوات الدولية، ولا أن يتكيّف مع حدود بلا تلك القوات. فهو يرى، من حيث المبدأ، أن وجود شرعية دولية على الحدود هو شكل من الضمان لشرعيته ووحدته وسلامة أراضيه. وهو يبحث حاليًا مع عدد من الأصدقاء الدوليين، وفي مقدمهم فرنسا وإيطاليا وألمانيا، عن أية صيغة ممكنة لوجود دولي من خلال مجلس الأمن أو من خارجه. والكل، رسميًا وشعبيًا، يرحب بأية صيغة قادرة على لعب دور في استقرار الوضع الجنوبي وبالتالي الوضع اللبناني. فضلًا عن أن الدور الأمني للقوات الدولية في مساعدة الجيش اللبناني ليس كل الدور الذي تقوم به هذه القوات، أقله في المهام غير الرسمية ولا المنصوص عنها في القرار 1701: الدور الاجتماعي. وأبرزه مساعدة الأهالي والبلديات في حل مشاكل المياه والكهرباء وتقديم الخدمات الطبية عبر مستوصفاتها. واعتماد الاقتصاد في الجنوب على ما ينفقه عشرة آلاف جندي شهريًا.
لكن من الصعب الهرب من سؤال خارج الصندوق: هل نحن بالفعل في حاجة إلى قوات دولية مع عشرة آلاف جندي لبناني لضبط الأمن على الحدود وفي الجنوب؟ الجواب البسيط هو أن لبنان لم يكن في حاجة إليها لولا الدور العسكري للمنظمات الفلسطينية في القتال مع إسرائيل انطلاقًا من الأرض اللبنانية، ثم الدور العسكري لـ "حزب الله" قبل حرب العام 2006 وبعدها. ولولا "حرب الإسناد" لغزة التي بدأها "الحزب" غداة عملية "طوفان الأقصى" لما دمرت إسرائیل لبنان واحتلت أجزاء من الجنوب، بعدما قام "الحزب" نفسه بتحرير الجنوب عام 2000. ففي المرحلة الفاصلة بين "اتفاق الهدنة" عام 1949 و "اتفاق القاهرة" عام 1969 بقيت الحدود هادئة مع استثناءات محدودة، بإشراف مراقبي الهدنة. وأول عملية إسرائيلية واسعة سميت "عملية الليطاني" ضد المنظمات الفلسطينية حدثت عام 1978 وقادت إلى القرار 425.
أكثر من ذلك، فإن وجود القوات الدولية لم يمنع المنظمات الفلسطينية من إطلاق الصواريخ على الدولة العبرية، ولا الجيش الإسرائيلي من اجتياح لبنان عام 1982 لإخراج منظمة التحرير منه، ثم من عمليات "تصفية الحساب" و "عناقيد الغضب" وحرب 2006 مع "المقاومة الإسلامية". و"اليونيفيل" المعززة بموجب القرار 1701 لم تكن قادرة على الحؤول دون "حرب الإسناد" وحرب إسرائيل المدمرة: وتحت أنظار القوات الدولية المعززة أقام "حزب الله" بنية عسكرية ضخمة في منطقة عمليات القوات جنوب الليطاني لا يزال الجيش يعمل بمساعدة "اليونيفيل" على تفكيك تلك البنية العسكرية في المرحلة الأولى من سحب السلاح من "حزب الله".
البروفسور ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالي يرى أن "العرب يؤجلون التاريخ". لكن مشكلة لبنان أنه محكوم بتأجيل المستقبل.
*نقلاً عن "نداء الوطن".