إعادة تشكيل الشرق الأوسط
02/03/2026
بندر الدوشي
في الأحداث التاريخية، غالباً ما يجد الكاتب نفسه عاجزاً عن التعبير عمّا يعايشه، واليوم خصوصاً في الشرق الأوسط نعيش لحظات تاريخيّة استثنائية بسبب ما فعله الرئيس الأميركي ترمب حتى الآن. نحن أمام سلسلة من الزلازل الجيوسياسية التي تعيد فعلياً كتابة قواعد إدارة الدول في القرن الحادي والعشرين. ففي عرض سريع وغير مسبوق لما يمكن تسميته بالدبلوماسية الحركية، حطّم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الوضع العالمي القائم، منفّذاً سلسلة من الخطوات التي تركت الحلفاء والخصوم على حد سواء في حالة من الصدمة العميقة.
فالتدمير المنسّق للمنشآت النووية الإيرانية، وقطع رأس هرم النظام في إيران، إضافة إلى الإطاحة المفاجئة بنيكولاس مادورو في فنزويلا؛ لم تتسبب فقط في إزالة خصوم أمريكا القدامى، إنما أعادت بالقوة إحياء مفهوم الردع الأمريكي، ما غيّر جذرياً حسابات خصوم أمريكا الكبار.
على مدى عقود، اعتمد النظام الدولي القائم على القواعد بدرجة كبيرة على العقوبات الاقتصادية، وقرارات مجلس الأمن، والمعاهدات متعددة الأطراف ، والإجماع، والاستنزاف الدبلوماسي، وحتى الحصار . غير أن التحوّل المفاجئ الذي قاده ترمب استبدل الصبر الاستراتيجي بسياسة عدم القدرة على التنبؤ.
في الشرق الأوسط، كان الحدث الأكبر حتى قبل مقتل خامنئي هو تفكيك البنية النووية الإيرانية وتدميرها، وقبلها مقتل قاسم سليماني رأس حربة النظام الإيراني. لكن الضربة المتزامنة التي استهدفت رأس النظام، بما في ذلك خامنئي وكبار قادة الحرس الثوري الإيراني وهم شخصيات ارتبطت لعقود بالفوضى والحروب بالوكالة، جعلت من تدمير المنشآت النووية يبدو وكأنه حدثٌ بسيط.
منتقدو ترمب كُثر في الداخل والخارج، ويعتقدون أن إجراءاته تتجاوز القانون الدولي وتنطوي على خطر إشعال صراع عالمي واسع. إلا أنه، من منظور الواقعية السياسية، فإن الدور الأمريكي الحاسم هنا أفضى إلى تأثير رادع وحازم على القوى المنافسة في ميزان القوى العالمي.
لقد أرسى ترمب شعاراً جديداً مفاده أن عتبة التدخل العسكري الأمريكي لم تعد مقيدة بتردّد بيروقراطي لا ينتهي. فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لتدمير ملاجئ نووية شديدة التحصين في الشرق الأوسط، وإزاحة حاكم في أمريكا الجنوبية، وإبادة قيادة متطرفة في إيران، فإن كلفة تجاوز الخطوط الحمراء الدولية قد ارتفعت بشدة.
ومن المفارقة هنا من وجهة نظري أن استعداد ترمب للتحرك الأحادي قد يرسّخ النظام القائم على القواعد ذاته والذي عجزت المؤسسات عن صونه. فالنظام، تاريخياً، لا يكون مستقراً إلا بقدر استعداد القوة المهيمنة لفرضه. ومن خلال استخدام قوة مباشرة وغير مقيّدة لتحييد التهديدات الفورية، دفعت هذه المقاربة الهجومية القوى المراجِعة للنظام الدولي إلى إعادة حساباتها بحذر وعمق.
أكثر المراقبين انبهاراً بهذه الدبلوماسية الحركية لم يكونوا في بكين أو موسكو، إنما في بروكسل وباريس وبرلين. فعلى مدى سنوات، استعدّت العواصم الأوروبية لولاية ثانية لترمب يُفترض أن تتسم بانعزالية تقليدية تحت شعار "اجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، وتهديدات بالانسحاب من حلف الناتو، وتراجع عن المسرح العالمي، وانكفاء صارم تحت مبدأ أمريكا أولاً.
غير أنهم شهدوا بدلاً من ذلك مفارقة جذرية؛ فقد تجاوز ترمب البيروقراطية البطيئة القائمة على التوافق لدى الحلفاء الأوروبيين، متصرفاً بشكل أحادي بسرعة وحدّة أدهشت الجميع . ومن خلال حسم الأزمة النووية الإيرانية، وتحييد التهديد الفنزويلي بضربة واحدة، وإسقاط النظام الثوري في إيران، حقق ما عجزت عنه عقود من القوة الناعمة والمفاوضات الأمريكية والأوروبية.
ما حدث يؤكد مجدداً أن أجندة "أمريكا أولاً" هي عقيدة ترتكز على إحلال السلام عبر القوة الساحقة. ومن خلال التحرك دون طلب إذن، جعل ترمب القيادة الأمريكية ضرورة لا غنى عنها مجدداً، دافعاً أوروبا المترددة إلى الاصطفاف خلف قوة مهيمنة باتت أكثر حزماً.
داخلياً وخارجياً، رفعت هذه الانتصارات الحاسمة مكانة ترمب السياسية إلى مستوى لم يُشهد منذ نهاية الحرب الباردة، ما يجعله بحسب المحللين أقوى رئيس أمريكي منذ عقود. فمن خلال استئصال ما وصفته مراكز الأبحاث بالأورام العالمية المتمثلة في الحرس الثوري الإيراني ونظام مادورو، حصّن نفسه بنجاح ضد الهجمات الحزبية التقليدية، لدرجة أن أشد منتقديه في واشنطن وجدوا أنفسهم مشلولين أمام النتائج التاريخية الواضحة لخطواته. لقد أسكت عملياً مؤسسة السياسة الخارجية بإثباته أن القوة المحسوبة والساحقة يمكن أن تحلّ جراحياً أزمات مزمنة لم تؤدِّ الدبلوماسية المطوّلة إلا إلى إطالتها.
غير أن النتيجة الأعمق والأطول أمداً لهذه الاستراتيجية تتكشف في الشرق الأوسط اليوم على الأقل مبدئياً؛ فالقضاء على خامنئي والطبقة العليا من الحرس الثوري أنهى فعلياً حقبة إيران الثورية التي بدأت عام 1979.
نحن نشهد الآن تحوّلاً تاريخياً يحدث مرة كل قرن، وانتقالاً قسرياً لإيران من دولة ثيوقراطية راديكالية توسعية إلى دولة قومية طبيعية. يتزامن ذلك مع حرمان ما يسمى بمحور المقاومة من تمويل الحرس الثوري البالغ 700 مليون دولار سنوياً وشبكته اللوجستية، والذي بدأ في الانهيار فعلياً بعد أحداث 7 أكتوبر.
وبعد تحرير سوريا، يواجه حزب الله الذي أصبح بلا راعٍ وبلا تمويل ضغوطاً داخلية غير مسبوقة، ما يفتح الباب أمام حوكمة سيادية في بيروت. وفي اليمن، تفقد حركة الحوثيين قدرتها بعد تراجع إمدادات الصواريخ الإيرانية، وربما تتخلى إيران عنها قريباً لتواجه مصيرها، ما يفرض نهاية لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وفي العراق، ستسنح أخيراً فرصة سيادية للتخلص من قبضة الميليشيات المدعومة من طهران، رغم شكوكي العميقة تجاه الفاعلين السياسيين هناك.
على أي حال، مع زوال إيران النووية والثورية بصورة دائمة، يتحوّل الشرق الأوسط بعيداً عن عقود اتسمت بسفك الدماء الطائفية وحروب الوكالة، متجهاً بسرعة نحو حقبة من المشاريع العملاقة، والتكامل التكنولوجي، والتجارة غير المقيّدة. وبالفعل، أياً كانت النتائج والأسئلة المطروحة ، يمكننا القول بيقين: لقد أعاد ترمب تشكيل منطقة الشرق الأوسط بأكملها