Kurdish Democratic Party - Lebanon Freedom - Justice - Peace حرية - عدالة - سلام
Kurdish Democratic Party - LebanonFreedom - Justice - Peace حرية - عدالة - سلام 

فلول النظام السوري: ملف حساس يهدد أمن لبنان

 

15/01/2026

Alarab

 

السؤال الجوهري هو مدى قدرة هذه العناصر على التحول إلى قوة منظمة ذات مشروع واضح أم أنها ستبقى مجموعات مشتتة تعمل بشكل فردي أو في إطار شبكات محدودة النطاق.

مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، يشهد خلالها حالة من القلق المتزايد على خلفية التسريبات الإعلامية التي تحدثت عن تحركات لفلول النظام السوري السابق داخل أراضيه. هذه التسريبات، التي تضمنت وثائق وتسجيلات مطولة، أثارت جدلاً واسعاً لأنها تفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقة اللبنانية–السورية، وتضع لبنان مجدداً في موقع الدولة الهشة المعرضة لأن تتحول إلى ساحة لتداخل أمني إقليمي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب تتسم بإعادة رسم موازين القوى داخل سوريا ومحيطها. إن تداول أسماء قيادات عسكرية سورية سابقة مثل سهيل الحسن وغياث دلا، وربطها بمحاولات لإعادة تنشيط خلايا عسكرية أو تجهيز مكاتب داخل لبنان لإدارة نشاطات أمنية وعسكرية، يثير مخاوف من انتقال الفلول من حالة التفكك الفردي إلى محاولة بناء شبكة منظمة، وهو تطور يحمل دلالات خطيرة على المستويين الأمني والسياسي سواء بالنسبة للبنان أو لسوريا الجديدة.

 

المخاطر المترتبة على مثل هذا السيناريو مزدوجة ومعقدة. فمن جهة سوريا، التي لا تزال تعيش حالة من الهشاشة الأمنية بعد سقوط النظام، يشكل وجود شبكة منظمة لفلول النظام السابق على حدودها أو في جوارها المباشر أداة لإعادة زعزعة الاستقرار النسبي الذي تحاول الحكومة الجديدة فرضه. يمكن لهذه الشبكات أن تعمل كخلايا نائمة أو قنوات لتهريب الأسلحة والأفراد أو حتى القيام بعمليات تستهدف القوات الحكومية وحلفاءها، مما يعيد إشعال جبهات كان قد خمد أوارها. ومن جهة لبنان، فإن الخطر أكثر مباشرة، إذ يمكن أن يستغل وجود هذه العناصر لإثارة اضطرابات داخلية في بيئة مشحونة طائفياً وسياسياً، وقد تتحول هذه الشبكات إلى ورقة ضغط في يد قوى سياسية محلية أو تصبح طرفاً في الصراعات الداخلية، الأمر الذي يهدد بانفجار الوضع الأمني الهش أصلاً. ولا يغيب البعد الإقليمي عن المشهد، فالملف ليس قضية أمنية داخلية بحتة، بل يمكن أن يصبح أداة في يد قوى إقليمية تتصارع على النفوذ في سوريا ما بعد الأسد، عبر استخدام الورقة اللبنانية كساحة بديلة للتصفية أو للتفاوض.

 

في مواجهة هذا التحدي تبدو الحاجة ماسة إلى تعزيز التنسيق الأمني الحقيقي والفعال بين لبنان وسوريا على أساس المصالح المشتركة في الاستقرار وعدم استغلال أراضي أي من البلدين ضد الآخر

 

البعد القانوني يزيد من خطورة القضية، إذ إن وجود شخصيات متهمة بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يضع لبنان أمام مسؤوليات دولية جسيمة. أي تراخٍ أمني في ملاحقة هذه الشخصيات قد يعرض البلاد لعقوبات أو ضغوط دبلوماسية ويهدد علاقاتها مع القوى الكبرى والمنظمات الدولية، خصوصاً في ظل مذكرات توقيف ومذكرات قضائية صادرة عن دول غربية. وفي مواجهة هذه العاصفة الإعلامية، جاء الموقف الرسمي اللبناني جامعاً بين النفي والتشكيك في دقة المعلومات، حيث أكدت الأجهزة الأمنية والقضائية غياب الأدلة الملموسة على وجود نشاطات عسكرية منظمة للفلول السورية داخل لبنان، وأشارت إلى مداهمات وتحقيقات لم تكشف عن أي شيء جوهري يؤكد الادعاءات. هذا الخطاب يحمل نبرة تطمين موجهة للداخل اللبناني وللجهات السورية، بهدف نفي أي استضافة لأنشطة معادية للنظام الجديد في دمشق والتأكيد على احترام لبنان لسيادة جاره واستقراره، لكنه يعكس أيضاً حساسية العلاقة مع سوريا ورغبة في تجنب أي فتنة أمنية داخلية قد تكون مدمرة في الظرف الحالي.

 

غير أن هذا التباين بين ضجيج الإعلام وهدوء السلطة يعكس هشاشة البيئة الأمنية والمعلوماتية في لبنان. فمن ناحية، قد يكون الإعلام أداة لتضخيم مخاطر حقيقية لكنها لا تزال في طور التكوين، أو قد يكون جزءاً من لعبة إقليمية أو محلية أوسع. ومن ناحية أخرى، قد يكشف عن ثغرات أمنية لا ترغب الأجهزة الرسمية في الاعتراف بها علناً لاعتبارات سياسية. النتيجة هي حالة من الارتباك وانعدام الثقة لدى الرأي العام اللبناني، الذي يجد نفسه أمام سيل من الأخبار المقلقة من جهة وتصريحات مطمئنة من جهة أخرى، كما أن هذه التسريبات تصل إلى الرأي العام الإقليمي والدولي وتشكل صورة عن لبنان كبلد قد يصبح مرة أخرى بؤرة لنشاطات عابرة للحدود تهدد الاستقرار.

 

الملف سيكون وقوداً إضافياً للصراعات السياسية اللبنانية المزمنة، حيث ستستخدمه القوى السياسية وفقاً لرؤيتها وتحالفاتها الإقليمية. قد يتهم البعض أطرافاً بالتستر على هذه النشاطات أو حتى بالتواطؤ معها، بينما قد يتهم آخرون خصومهم بتلفيق الأكاذيب لتشويه الصورة أو لخدمة أجندة خارجية. الخطر الأكبر هو تحول لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية عبر استغلال هذا الملف، مما قد يؤدي إلى انفجار داخلي جديد. أي تدهور أمني ناجم عن هذه القضية سيكون ضربة قاسية للوضع الاقتصادي المنهار وسيعمق أزمة الثقة بين المواطن والدولة ويزيد من وتيرة الهجرة والنزوح.

 

لبنان اليوم لا يملك ترف الخطأ، فأي انزلاق أمني ولو كان محدوداً مرتبط بهذا الملف الحساس قد يعيد فتح جراح قديمة ويطلق العنان لأزمات يعتقد الكثيرون أنها باتت من الماضي

 

من جهة سوريا، فإن المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام هي مرحلة فوضى وإعادة ترتيب للصفوف، حيث إن شبكات المصالح التي كانت قائمة لعقود لا تختفي بين ليلة وضحاها. بعض هذه الشبكات، المكونة من عناصر فقدت نفوذها ومصادر رزقها، قد تحاول إعادة التموضع خارج الحدود بحثاً عن ملاذ آمن أو قاعدة للانقضاض مجدداً عندما تسنح الفرصة. السؤال الجوهري هنا هو مدى قدرة هذه العناصر على التحول إلى قوة منظمة ذات مشروع واضح أم أنها ستبقى مجموعات مشتتة تعمل بشكل فردي أو في إطار شبكات محدودة النطاق تبحث عن البقاء والربح المالي أكثر من البحث عن تغيير سياسي أو عسكري كبير. الإجابة على هذا السؤال تحدد حجم التهديد الحقيقي لكنها تبقى في نطاق التكهن في الوقت الراهن.

 

في مواجهة هذا التحدي المعقد، تبدو الحاجة ماسة إلى تعزيز التنسيق الأمني الحقيقي والفعال بين لبنان وسوريا على أساس المصالح المشتركة في الاستقرار وعدم استغلال أراضي أي من البلدين ضد الآخر. هذا التنسيق يجب أن يكون شفافاً وموثوقاً ويتجاوز الشكوك التاريخية المتراكمة، كما يجب على الأجهزة الأمنية اللبنانية تطوير آليات أكثر تطوراً لتبادل المعلومات داخلياً ومع الجهات الدولية المعنية ورفع مستوى الرقابة على الحدود والنقاط غير النظامية. من المهم أيضاً عدم تجاهل المؤشرات المبكرة مهما بدت ضئيلة، لأن التجارب السابقة في المنطقة تظهر أن الشبكات الخطيرة تبدأ صغيرة ثم تتوسع، ويجب التعامل مع أي معلومات بجدية وفحصها بدقة بعيداً عن التجييش السياسي أو الإعلامي.

 

لبنان اليوم لا يملك ترف الخطأ، فأي انزلاق أمني ولو كان محدوداً مرتبط بهذا الملف الحساس قد يعيد فتح جراح قديمة ويطلق العنان لأزمات يعتقد الكثيرون أنها باتت من الماضي. شبح العودة إلى أيام الاشتباكات والخطف والعمليات العسكرية العابرة للحدود هو شبح مخيف بالنسبة لمجتمع منهك ومجروح. القدرة على تحصين الداخل اللبناني من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية مرهونة بإرادة القوى السياسية اللبنانية أولاً وقدرتها على تجاوز خلافاتها لحماية السيادة والأمن الوطنيين، وليست باستخدام الأزمات الأمنية كورقة في صراعها. كما أنها مرهونة بمدى نضج النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل بعد العاصفة السورية وقدرته على احترام حدود الدول الهشة وعدم تحميلها أعباء صراعاته. مستقبل لبنان، بين هواجس الداخل وضغوط الإقليم، يقف على مفترق حاسم، فإما أن يكون قادراً على صيانة نفسه ككيان مستقر رغم كل العواصف، وإما أن ينزلق مرة أخرى إلى هوة الفوضى التي تجعله منصة للآخرين، وهي لعبة ثمنها دائماً دم أبنائه واستقراره. الخيار، وإن كان صعباً، لا يزال بين أيدي اللبنانيين قبل أي أحد آخر، لكن الوقت يدق ناقوس الخطر.

 

 

علي قاسم

كاتب سوري مقيم في تونس

Print | Sitemap
© kdp lebanon