لماذا انتفت الحاجة إلى النظام الإيراني؟
03/03/2026
النظام الإيراني ذهب ضحية حرب غزّة التي اعتقد أنه سيكون المستفيد منها فإذا به ضحية من ضحاياها بعدما فشل في استيعاب أن المنطقة تغيّرت كليا في ضوء غزة.
يبدو أنّ ظروف المنطقة والعالم ألغت الحاجة إلى النظام الإيراني. كان هذا النظام في مرحلة معيّنة مفيدا لجهات عدة. بين هذه الجهات الولايات المتحدة التي كانت ترى فيه بعبعا يخيف دول الخليج العربي. كان النظام الإيراني يجعل دول الخليج العربي في أشدّ الحاجة إلى الحماية العسكريّة الأميركية. تغيّرت دول الخليج وتغيّرت أميركا. لكنّ إيران اعتقدت أن قوانين اللعبة التي مارستها في الماضي لم تعد موجودة.
في الواقع، لم تعد هذه القوانين موجودة منذ حرب غزّة وشعور إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، بأنّ ما قبل حرب غزّة ليس كما قبل هذه الحرب وأن لا مجال لأي صاروخ إيراني في منطقة قريبة من إسرائيل.
عاشت “الجمهورية الإسلاميّة” في إيران منذ العام 1979 وانتهت في اليوم الأخير من شباط – فبراير 2026. معنى ذلك أنّها استمرّت نحو 47 عاما، أي أقل مما عاش الاتحاد السوفياتي منذ قيام الثورة البلشفية في 1917 وإنزال العلم السوفياتي عن قصر الكرملين في الأيام الأخيرة من العام 1991. يمكن اعتبار أن الاتحاد السوفياتي انتهى مع سقوط جدار برلين في تشرين الثاني – نوفمبر 1989، كذلك يمكن اعتبار أن “الجمهوريّة الإسلاميّة” انتهت مع مقتل “المرشد” في 28 شباط – فبراير من السنة الحالية أو قبل ذلك. لكنّ النهاية الفعلية لتلك الجمهوريّة كانت عندما خرجت إيران من سوريا في الشهر الأخير من العام 2024، يوم فرار بشّار الأسد إلى موسكو. في سوريا، سقط المشروع التوسعي الإيراني. قطعت سوريا الطريق الذي كان يربط إيران ببيروت، الواقعة على البحر المتوسط، مرورا ببغداد ودمشق.
"الجمهوريّة الإسلاميّة" سقطت خارج حدودها قبل أن تسقط في طهران وقبل اغتيال “المرشد”؛ سقطت مع انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني بقرار أميركي وإسرائيلي
لا يمكن تجاهل المقارنة بين النظام القائم في إيران والنظام الذي كان قائما في الاتحاد السوفياتي. لا بدّ من الاعتراف بأن الاتحاد السوفياتي كان، منذ قيامه، لاعبا على الصعيد الدولي بصفة كونه صاحب أيديولوجيا بلغت جزيرة كوبا. لكنّ هل حال النفوذ السوفياتي في هذه المنطقة أو تلك من سقوط النظام في 1991؟ من جهتها، تحولت إيران منذ قيام “الجمهوريّة الإسلاميّة”، التي رفعت شعار “تصدير الثورة”، إلى قوة مهيمنة على الصعيد الإقليمي. حدث ذلك خصوصا منذ سلمتها إدارة جورج بوش الابن العراق، على صحن من فضّة، في ربيع 2003.
على العكس من الاتحاد السوفياتي، لم تنته “الجمهوريّة الإسلاميّة” لأسباب داخلية أساسا. عمليا، انتهى الاتحاد السوفياتي بعدما فشل النظام القائم في معالجة الأزمات الداخلية التي كانت في معظمها ذات طابع اقتصادي. تبين أن النظام السوفياتي الذي كان يعتبر قوة عسكرية ضخمة، تمتلك جيشا جرارا وصواريخ عابرة للقارات وسلاحا نوويا، عاجز عن معالجة الفشل الاقتصادي الداخلي. تبيّن أن النظام أدرك، مع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة، عمق الأزمة الداخليّة التي يمرّ فيها. حاول غورباتشوف التعاطي مع هذه الأزمة، عن طريق إصلاحات داخليّة. لكنّه ما لبث أن اكتشف أن النظام لا يستطيع إصلاح نفسه، لا عن طريق “غلاسنوست” ولا عن طريق “بيريسترويكا”. يعود ذلك إلى أنّه قام أصلا على أيديولوجية تقوم على حرمان المواطن من حريته في ظلّ شعارات طنانة من نوع الحرية والمساواة ودكتاتورية البروليتاريا ورفض القيم المرتبطة بالسوق والاقتصاد الحرّ.
انفجر الاتحاد السوفياتي من داخل. انفجرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” من خارج أوّلا وذلك قبل انكشاف هشاشة النظام الذي أقامه آية الله الخميني مستندا إلى نظريّة “الوليّ الفقيه”. في النهاية، جاء انهيار “الجمهوريّة الإسلاميّة” على مراحل. توج الانهيار باغتيال خامنئي الذي لم يكن يمتلك كلّ السلطات فحسب، بل بالاعتداءات المستمرة أيضا على دول الخليج العربي. ما ذنب دول مجلس التعاون التي سعت إلى منع الحرب الأميركيّة – الإسرائيلية على النظام الإيراني بكلّ ما تستطيع؟
ذهب النظام الإيراني ضحية حرب غزّة التي اعتقد أنه سيكون المستفيد منها، فإذا به ضحية من ضحاياها بعدما فشل في استيعاب أن المنطقة تغيّرت كليا في ضوء غزة
سقطت “الجمهوريّة الإسلاميّة” خارج حدودها قبل أن تسقط في طهران وقبل اغتيال “المرشد”. سقطت مع انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني بقرار أميركي وإسرائيلي. كلّ ما في الأمر، أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” خسرت كلّ الحروب التي خاضتها منذ اندلاع حرب غزة في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. خسرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” رهانها على امتلاك مفتاح توسيع حرب غزّة أو حصرها بالقطاع. في الواقع، لم تستوعب التغيير الكبير الذي حصل في اليوم الذي شنت فيه “حماس” هجوم “طوفان الأقصى”.
كان الاعتقاد في طهران أنّ الولايات المتحدة ستجد نفسها مجبرة على عقد صفقة مع “الجمهوريّة الإسلاميّة” من أجل الحؤول دون تمدّد حرب غزّة. لعلّ الحدث الأبرز كان هزيمة “حزب الله” في لبنان. تحولت “حرب إسناد غزّة” إلى كارثة على الحزب الذي كان درة التاج في المشروع التوسّعي الإيراني. مع هزيمة الحزب واغتيال إسرائيل لقياداته، بمن في ذلك حسن نصرالله، كرت السبحة… وصولا إلى اضطرار النظام للدفاع عن نفسه في داخل الأراضي الإيرانيّة، لا في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
تجمع كلمة العجز بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” والاتحاد السوفياتي. عجز الاتحاد السوفياتي عن تلبية حاجة مواطنيه إلى الحرية أولا، في حين عجز نظام الوليّ الفقيه عن استيعاب أنّ لا فائدة من سياسة تصدير أزمات الداخل إلى الخارج. ما لبثت هذه السياسة أن ارتدت على النظام نفسه وصولا إلى حرب بدأت باغتيال خامنئي وليس معروفا ما الذي ستكون عليه نتائجها على صعيد بقاء إيران نفسها، ذات الشعوب المتعددة، دولة موحدة.
في نهاية المطاف، ذهب النظام الإيراني ضحية حرب غزّة التي اعتقد أنه سيكون المستفيد منها، فإذا به ضحية من ضحاياها بعدما فشل في استيعاب أن المنطقة تغيّرت كليا في ضوء غزة. كذلك تغيّر العالم الذي لم يعد على استعداد لأي صفقة من أي نوع مع “الجمهوريّة الإسلاميّة” التي عرفت طوال سنوات كيف تدير العلاقة بين طهران وواشنطن وكيف تجعل هذه العلاقة تصبّ في مصلحة المشروع التوسّعي الإيراني.
خيرالله خيرالله
إعلامي لبناني